فصل: تفسير الآية رقم (54)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 20‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ‏(‏17‏)‏ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ ‏(‏18‏)‏ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏(‏19‏)‏ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير، هول أمره مقدماً للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه فقال‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ ‏{‏جزيناهم‏}‏ بما لنا من العظمة ‏{‏بما كفروا‏}‏ أي غطوا الدليل الواضح‏.‏

ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال، العريقين في مقارعة الأبطال، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان، وقابل الإنعام بالكفران، لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة، وكرة في أثر كرة، أجرى الأمر سبحانه على هذا العرف، فقال مشيراً إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادّاً لغير جزائهم بالنسبة إليه عدماً، تهديداً يصدع القلوب ويردع النفوس، ويدع الأعناق خاضعة والرؤوس‏:‏ ‏{‏وهل يجازى‏}‏ أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما على سبيل المبالغة ‏{‏إلا الكفور *‏}‏ أي المبالغ في الكفر، وقراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «نجازي» بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب «الكفور» وقال الفراء‏:‏ المؤمن يجزى ولا يجازى- كأنه يشير إلى أن عقاب المسيء لأجل عمله فهو مفاعلة، وأما ثواب المطيع فهو فضل من الله لا لأجل عمله، فإن عمله نعمة من الله، وذلك لا ينافي المضاعفة، قال القشيري‏:‏ كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال واتصال من التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء أدباً أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا طرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار‏.‏

ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة، أتبعه مواضعه السكان فقال‏:‏ ‏{‏وجعلنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة، ونبه بنزع الجار على عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال‏:‏ ‏{‏بينهم‏}‏ أي بين قرى أهل سبأ ‏{‏وبين القرى‏}‏ اي مدناً كانت أو دونها ‏{‏التي باركنا‏}‏ أي بركة اعتنينا بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة ‏{‏فيها‏}‏ أي بأن جعلناها محال العلم والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام ‏{‏قرى ظاهرة‏}‏ أي من أرض الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا، لأن البناء فيها أثبت، والمشي بها أسهل، والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها أمكن‏.‏ فهي ظاهرة للعيون بين تلك الجنان، كأنها الكواكب الحسان، مع تقاربها بحيث يرى بعضها من بعض وكثرة المال بها والمفاخر والنفع والمعونة للمارة؛ قال البغوي‏:‏ كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام‏.‏

ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على المسافر لعدم الموافقة في المقيل والمبيت، أزال هذا بقوله‏:‏ ‏{‏وقدرنا فيها السير‏}‏ أي جعلناه على مقادير هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد من ليل أو نهار على ما جرت به عوائد السفار، فهي لذلك حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان‏:‏ ‏{‏سيروا‏}‏ والدليل على تقاربها جداً قوله‏:‏ ‏{‏فيها‏}‏ ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أيّ وقت أريد، مقدماً لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله‏:‏ ‏{‏ليالي‏}‏ وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله‏:‏ ‏{‏وأياماً‏}‏ أي في أي وقت شئتم، ودل على عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ملم بقوله‏:‏ ‏{‏آمنين *‏}‏ أي من خوف وتعب، أو ضيعة أو عطش أو سغب‏.‏

ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من الألطاف، دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سبباً للتضجر والملال بقوله‏:‏ ‏{‏فقالوا‏}‏ على وجه الدعاء‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي أيها المربي لنا ‏{‏باعد‏}‏ أي أعظم البعد وشدده- على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وهشام عن ابن عامر بتشديد العين وإسكان الدال، وهذا بمعنى قراءة الباقين غير يعقوب ‏{‏باعد‏}‏ المقتضية لمده وتطويله ‏{‏بين أسفارنا‏}‏ أي قرانا التي نسافر فيها، أي ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما يخصه الآن ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب، وكان بعضهم كأن على الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال كما قرأ يعقوب «ربنا» بالرفع على أنه مبتدأ «باعد» فعلاً ماضياً على أنه خبر فازدرى تلك النعمة الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك القرى متواصلة ‏{‏وظلموا‏}‏ حيث عدوا النعمة نقمة، والإحسان إساءة ‏{‏أنفسهم‏}‏ تارة باستقلال الديار، وتارة باستقلال الثمار، فسبب ذلك تبديل ما هم فيه بحال هو في الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الأنس وهو معنى ‏{‏فجعلناهم‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏أحاديث‏}‏ أي يتواصفها الناس جيلاً بعد جيل لما لها من الهول ‏{‏ومزقناهم‏}‏ أي تمزيقاً يناسب العظمة، فما كان لهم دأب إلا المطاوعة فمزقوا ‏{‏كل ممزق‏}‏ أي تمزيق كما يمزق الثوب، بحيث صاروا مثلاً مضروباً إلى هذا الزمان، يقال لمن شئت أمرهم‏:‏ تفرقوا أيدي سبا‏.‏

ولما كان كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمراً باهراً دالاً على أمور كثيرة، منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من النعيم إلى الجحيم والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى كثير من أقطار البلاد كما هو مشهور في قصتهم، قال منبهاً على ذلك مستأنفاً على طريق الاستنتاج، مؤكداً تنبيهاً على إنعام النظر فيه، لما له من الدلالة على صفات الكمال‏:‏ ‏{‏إن في ذلك‏}‏ أي الأمر العظيم ‏{‏لآيات‏}‏ أي دلالات بينة جداً على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات بالخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها دليل على أن الإنسان ما دام حياً فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية، لأنه لما طبع عليه من القلق كثيراً ما يرى النعم نقماً، واللذة ألماً، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة‏.‏

ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها الفاسدة وأهويتها المعمية، وكانت مخالفة الهوى أشد ما يكون على النفس وأشق، وكانت النعم تبطر وتطغي، وتفسد وتلهي، فكان عطف النفوس إلى الشكر بعد جماحها بطغيان النعم صعباً، وكانت قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت عليهم برغد العيش وسهولة إتيان الرزق بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام مع آمن البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما أشار إليه قوله تعالى ‏{‏وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 112‏]‏ قال تعالى محذراً لهم مثل عقوبتهم‏:‏ ‏{‏لكل صبار شكور *‏}‏ أي من جميع بني آدم، مشيراً بصيغة المبالغة إلى ذلك كله، وأن من لم يكن في طبعه الصبر والشكر لا يقدر على ذلك، وأن من ليس في طبعه الصبر فاته الشكر‏.‏

ولما كان المعنى‏:‏ آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في احتناكهم حيث قال‏:‏ ‏{‏لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 62‏]‏ قال مؤكداً لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه‏:‏ ‏{‏ولقد‏}‏ أي كان في ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد ‏{‏صدق‏}‏‏.‏ ولما كان في استغوائهم غالباً لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ضلال، أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال‏:‏ ‏{‏عليهم‏}‏ أي على ذرية آدم عليه السلام‏.‏

ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له من التصرف التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه، عبر بقوله تعالى ‏{‏إبليس‏}‏ الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده- والإبلاس- وهو اليأس من كل خير- ليكون ذلك أعظم في التبكيت والتوبيخ ‏{‏ظنه‏}‏ أي في قوله‏:‏ ‏{‏لأحتنكن ذريته إلا قليلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 62‏]‏ ‏{‏ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 39‏]‏ ‏{‏ولا تجد أكثرهم شاكرين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 17‏]‏ فكأنه لما قال ذلك على سبيل الظن تقاضاه ظنه الصدق فصدقه في إعمال الحيلة حتى كان ذلك الظن- هذا على قراءة الجماعة بالتخفيف، وأما على قراءة الكوفيين بالتشديد فالمعنى أنه جعل ظنه الذي كان يمكن تكذيبه فيه قبل التحقق صادقاً، بحيث لا يمكن أحداً تكذيبه فيه، ولذلك سبب سبحانه عنه قوله‏:‏ ‏{‏فاتبعوه‏}‏ أي بغاية الجهد بميل الطبع والاستلذاذ الموجب للنزوع والترامي بعضهم في الكفران وبعضهم في مطلق العصيان‏.‏

ولما كان المحدث عنهم جمعي الناس، عرف به الاستثناء المعرف لقلة الناجين فقال‏:‏ ‏{‏إلا فريقاً‏}‏ أي ناساً لهم القدرة على تفريق كلمة أهل الكفر وفض جمعهم وإن كانوا بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ‏{‏من المؤمنين *‏}‏ أي العريقين في الإيمان، فكانوا خالصين لله مخلصين في عبادته، وأما غيرهم فمالوا معه، وكان منهم المقل ومنهم المكثر بالهفوات والزلات الصغائر والكبائر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 23‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏21‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ‏(‏22‏)‏ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏(‏23‏)‏‏}‏

ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمراً بنفسه، نفاه بقوله‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي والحال أنه ما ‏{‏كان‏}‏ أصلاً ‏{‏له عليهم‏}‏ أي الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأعرق فيما هو الحق من النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من سلطان‏}‏ أي تسلط قاهر لشيء من الأشياء بوجه لأنه مثلهم في كونه عبداً عاجزاً مقهوراً، ذليلاً خائفاً مدحوراً، قال القشيري‏:‏ هو مسلط، ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه ‏{‏إلا‏}‏ أي لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا وملكناه قيادهم بقهرنا؛ وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال‏:‏ ‏{‏لنعلم‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏من يؤمن‏}‏ أي يوجد الإيمان لله ‏{‏بالآخرة‏}‏ أي ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تميزه تعلقاً تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقاً به في عالم الغيب ‏{‏ممن هو منها‏}‏ أي من الآخرة ‏{‏في شك‏}‏ فهو لا يتجدد له بها إيمان أصلاً، لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار «إلا» موضع «لكن» إشارة إلى أنه مكنه تمكيناً تاماً صار به كمن له سلطان حقيقي‏.‏

ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصاً في العلم أو في القدرة، قال مشيراً إلى أنه سبحانه يسره صلى الله عليه وسلم بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل أكثره من أمته فقال‏:‏ ‏{‏وربك‏}‏ أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك وإخسائه عن أمتك ‏{‏على كل شيء‏}‏ من المكلفين وغيرهم ‏{‏حفيظ *‏}‏ أي حافظ أتم حفظ محيط به مدبر له على وجه العلو بعلمه الكامل وقدرته الشاملة، فلا يفعل الشيطان ولا غيره شيئاً إلا بعلمه وإذنه‏.‏

ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته الأقدس من الملك في السماوات والأرض وغيرهما ما رأيت، واستدل عليه من الأدلة التي لا يمكن التصويب إليها بطعن بما سمعت، وكان المقصود الأعظم التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي يا أعلم الخلق‏!‏ بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا ما لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة‏:‏ ‏{‏ادعوا الذين زعمتم‏}‏ أي أنهم آلهة كما تدعون الله لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي «زعم» وهما ضميرهم وتألههم تنبيهاً على استهجان ذلك واستبشاعه، وليس المذكور في الآية مفعولاً ولا قائماً مقام المفعول لفساد المعنى؛ وبين حقارتهم بقوله‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ أي الذي حاز جميع العظمة لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه فليفعلوا شيئاً مثله أو يبطلو شيئاً مما فعله سبحانه‏.‏

ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزاً وحيرة، تولى سبحانه الجواب عنهم، إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله، معبراً عنهم بعبارة من له علم بإقامتهم في ذلك المقام، أو لأن بعض من ادعيت إلهيته ممن له علم‏:‏ ‏{‏لا يمكلون‏}‏ أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلاً‏.‏

ولما كان المراد المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال‏:‏ ‏{‏مثقال ذرة‏}‏ ولما أريد العموم عبر بقوله‏:‏ ‏{‏في السماوات‏}‏ وأكد فقال‏:‏ ‏{‏ولا في الأرض‏}‏ لأن السماء ما علا، والأرض ما سفل، والسماوات في العرش، والأرض في السماء، فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى العرش، وهو ذو العرش العظيم‏.‏

ولما كان هذا ظاهراً في نفي الملك الخالص عن شوب المشاركة، نفى المشاركة أيضاً بقوله مؤكداً تكذيباً لهم فيما يدعونه‏:‏ ‏{‏وما لهم فيهما‏}‏ أي السماوات والأرض ولا فيما فيهما، وأعرق في النفي فقال‏:‏ ‏{‏من شرك‏}‏ أي في خلق ولا مُلك ولا مِلك، وأكد النفي بإثبات الجار‏.‏ ولما كان مما في السماوات والأرض نفوس هذه الأصنام وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم أو ما أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة، فانتفى أن يقدروا على إعانة غيرهم، وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع للأطماع، حتى لا يكون هناك متشبت قويّ ولا واهٍ قال‏:‏ ‏{‏وما له‏}‏ أي الله ‏{‏منهم‏}‏ وأكد النفي بإثبات الجار فقال‏:‏ ‏{‏من ظهير *‏}‏ أي معين على شيء مما يريده، فكيف يصح مع هذا العجز الكلي أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد‏.‏

ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة، وكان المقصود منها أثرها لا عينها، نفاه بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تنفع‏}‏ أي في أيّ وقت من الأوقات ‏{‏الشفاعة عنده‏}‏ أي بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء ‏{‏إلا لمن‏}‏ ولما كانت كثافة الحجاب أعظم في الهيبة، وكان البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب، قال في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد الفعل إليه‏:‏ ‏{‏أذن له‏}‏ أي وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة أو أكثر في أن يشفع في غيره أو في أن يشفع فيه غيره، وقراءة الباقين بالبناء للفاعل تدل على العظمة من وجه آخر، وهو أنه لا افتيات عليه بوجه من أحد ما، بل لا أن ينص هو سبحانه على الإذن، وإلا فلا استطاعة عليه أصلاً‏.‏

ولما كان من المعلوم أن الموقوفين في محل خطر للعرض على ملك مرهوب متى نودي باسم أحد منهم فقيل أين فلان ينخلع قلبه وربما أغمي عليه، فلذلك كان من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ذلك المقام الذي ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم، فلذلك حسن كل الحسن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتّى‏}‏ وهو غاية لنحو أن يقال‏:‏ فإذا أذن له وقع الصعق لجلاله وكبريائه وكماله حتى ‏{‏إذا فزع‏}‏ أي أزيل الفزع بأيسر أمر وأهون سعي من أمره سبحانه- هذا في قراءة الجماعة بالبناء للمجهول، وأزال هو سبحانه الفزع في قراءة ابن عامر ويعقوب، إشارة إلى أنه لا يخرج عن أمره شيء ‏{‏عن قلوبهم‏}‏ أي الشافعين والمشفوع لهم، فإن «فعّل» يأتي للإزالة كقذّيت عينه- إذا أزلت عنها القذى ‏{‏قالوا‏}‏ أي قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏ماذا قال ربكم‏}‏ ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك قلوبهم‏.‏

ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولاً ثم بدا له فرجع عنه، أو عارضه فيه شخص من أعيان جنده فينتقض، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال‏:‏ ‏{‏قالوا الحق‏}‏ أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابقه الواقع فلا يكون شيء يخالفه ‏{‏وهو العلي‏}‏ أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه وتعالى، فلا يقول غير الحق من نقص علم ‏{‏الكبير *‏}‏ أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء من حكم؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ‏{‏فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا‏}‏- للذي قال- ‏{‏الحق وهو العلي الكبير‏}‏ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- ووصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال‏:‏ أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» وقال في التوحيد‏:‏ وقال مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنهما‏:‏ «وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق» وروى هذا الحديث العيني في جزئه عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه قال‏:‏ كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي، وفيه‏:‏ فلا ينزل على سماء إلا صفقوا، وفي آخره‏:‏ ثم يقال‏:‏ يكون العام كذا ويكون العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم دحروا، فقالت العرب‏:‏ هلك من في السماء، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها، حتى نهتهم ثقيف، واستدلوا بثبات معلم النجوم، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف أن الحدث من مكة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 29‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ‏(‏26‏)‏ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏27‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

ولما سلب عن شركائهم أن يملكوا شيئاً من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقررهم بما يلزم منه ذلك فقال‏:‏ ‏{‏قل من يرزقكم‏}‏ ولما كان كل شيء من الرزق متوقفاً على الكونين، وكان في معرض الامتنان والتوبيخ جمع لئلا يدعي أن لشيء من العالم العلوي مدبراً غيره سبحانه فقال‏:‏ ‏{‏من السماوات‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏والأرض‏}‏ بالإفراد لأنهم لا يعلمون غيرها‏.‏

ولما كان من المعلوم أنهم مقرّون بأن ذلك لله وحده كما تقدم التصريح به غير مرة، وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم الإخلاص في العبادة عند كل من له أدنى مسكة من عقله، أشار إلى ذلك بالإشارة بأمره صلى الله عليه وسلم بالإجابة إلى أنهم كالمنكرين لهذا، لأن إقرارهم به لم ينفعهم فقال‏:‏ ‏{‏قل الله‏}‏ أي الملك الأعلى وحده، وأمره بعد إقامة هذا الدليل البين بأن يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا أنصف منه، ولا يستطيع أحد أن يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكداً تنبيهاً على وجوب إنعام النظر في تمييز المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى، فإن الأمر في غاية الخطر‏:‏ ‏{‏وإنا‏}‏ أي أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق ‏{‏أو إياكم‏}‏ أي أهل الإشراك به من لا يملك شيئاً من الأشياء و«أو» على بأنها لا بمعنى الواو، أي إن أحد فريقينا على إحدى الحالتين مبهمة غير معينة فهو على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع له بالهدى، فانظروا بعقولكم في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي بذل الحق لغير أهله، قال ابن الجوزي‏:‏ وهذا كما تقول للرجل تكذبه‏:‏ والله إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه تكذيباً غير مكشوف ويقول الرجل‏:‏ والله لقد قدم فلان، فيقول له من يعلم كذبه‏:‏ قل إن شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب، يعني ولا سيما بعد إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن هو على متن جواد يوجهه حيث شاء من الجواد بقوله‏:‏ ‏{‏لعلى هدى‏}‏ أي في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر إلى ضلال فتنكبه ‏{‏أو في ضلال‏}‏ أي عن الحق في الاعتقاد المناسب فيه منغمسين فيه وهو محيط بالمبتلى به لا يتمكن معه من وجه صواب‏:‏ ‏{‏مبين *‏}‏ أي واضح في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمساً فيه مظروفاً له، فإنه لا يحس بنفسه وما بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتاً ما فيعلم أنه كان في حاله ذلك فاعلاً ما لا يفعله من له نوع من العقل، ففي هذا حث على النظر الذي كانوا يأبونه بقوله‏:‏

‏{‏قلوبنا في أكنة‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏ ونحوه في الأدلة التي يتميز بها الحق من الباطل على أحسن وجه بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك الداعي نفسه معهم فيما دعاهم إلى النظر فيه، فالمعنى أنه يتعين على كل منا- إذا كان على إحدى الطريقين مبهمة- أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في غاية الوضوح مع أن الضال في نهاية الخطر، ولقد كان الفضلاء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذوو الأحلام والنهى منهم يقولون ذلك بعد الإسلام كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وناهيك بهما جلالاً، ونباهة وذكاء وكمالاً، قالوا‏:‏ والله كنا نعجب غاية العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب غاية العجب ممن يتوقف عنه‏.‏

ولما كانوا بين أمرين‏:‏ إما أن يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم، وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة‏:‏ أنتم في الضلال ونحن على الهدى، وكان الضال لا يزال يقطع ما ينبغي وصله بوصل ما يجب قطعه، أمره أن يجيبهم على هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف من الأول بقوله‏:‏ ‏{‏قل لا تسئلون‏}‏ أي من سائل ما ‏{‏عما أجرمنا‏}‏ أي قطعنا فيه ما ينبغي أن يوصل مما أوجبه لنا الضلال ‏{‏ولا نسئل‏}‏ أي أصلاً في وقت من الأوقات من سائل ما ‏{‏عما تعملون *‏}‏ أي مما بنيتموه على العلم الذي أورثكموه الهدى أي فاتركونا والناس غيركم كما أنا نحن تاركوكم، فمن وضح له شيء من الطريقين سلكه‏.‏

ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا بها المقصود عن قريب، وإما أن يقولوا‏:‏ لا نترككم، وكان هذا الاحتمال أرجح، أمره أن يجيبهم على تقديره بقوله‏:‏ ‏{‏قل يجمع بيننا ربنا‏}‏ أي في قضائه المرتب على قدره في الدنيا أو في الأخرة، قال القشيري‏:‏ والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد ويستروحون إلى هذا الآية، وللاجتماع أمر كبير في الشريعة‏.‏

ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم، وكان ذلك في نفسه في غاية العظمة، أشار إليه بأداة البعد فقال‏:‏ ‏{‏ثم يفتح‏}‏ أي يحكم ‏{‏بيننا‏}‏ حكماً يسهل به الطريق ‏{‏بالحق‏}‏ أي الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه، وهو العدل أو الفضل من غير ظلم ولا ميل‏.‏ ولما كان التقدير‏:‏ فهو الجامع القدير، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وهو الفتاح‏}‏ أي البليغ الفتح لما انغلق، فلم يقدر أحد على فتحه ‏{‏العليم *‏}‏ أي البالغ العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات، فهو القدير على فصل جميع الخصومات‏.‏

ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم، ودل على قدرته عليه بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو البصيرة إيجاداً وإعداماً، وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه، ثم تهددهم بالفصل يوم الجمع، وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة الشاملة، وكانت القدرة لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية، أمره بما يوجب لهم القطع بوحدانيته وشمول قدرته بقوله‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي لهؤلاء المشركين‏.‏

ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها، وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه الرتبة، وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس الجمادات، نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة زيادة في تبكيتهم بقوله‏:‏ ‏{‏أروني الذين‏}‏ ولما لزم مما ثبت له سبحانه من صفات الكمال العلو الذي لا يداينه أحد بوجه قال‏:‏ ‏{‏ألحقتم به‏}‏ ولما كان الإلحاق يقتضي ولا بد قصور الملحق عن الملحق به، أشار إلى فرط جهلهم بتسويتهم به بقوله‏:‏ ‏{‏شركاء‏}‏ ثم نبه بعد إبطال قياسهم على أنهم في غاية الجلافة والجمود فهم كالأنعام بما قرعهم به من الرجز في قوله مؤكداً تكذيباً لهم في دعوى الشرك‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي ارتدعوا وانزجروا فليس والله الأمر كما ذكرتم ولا قريب منه ‏{‏بل هو‏}‏ أي المعبود بالحق الذي لا يستحق أن يسمى هو غيره ‏{‏الله‏}‏ أي الذي اختص بالحمد في الأولى والآخرة ‏{‏العزيز‏}‏ أي الذي لا مثل له، وكل شيء محتاج إليه، وهو غالب على كل شيء غلبة لا يجد معها ذلك الشيء وجه مدافعة ولا انقلاب، ولا وصول لشيء إليه إلا بإذنه ‏{‏الحكيم *‏}‏ أي المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك وأنتم ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك وتعلمون عجز من أشركتموه به عن أن يساويكم مع ما تعلمون من عجزكم‏.‏

ولما ختم بوصف الحكمة فتم برهان القدرة التي كان أوجب اعتقادهم لعدم البعث ما يقتضي نقصاً فيها، ولزم عن ذلك التوحيد وبطل الشرك، لم يبق إلا إثبات الرسالة التي أوجب ترديدهم أخباره صلى الله عليه وسلم بين الكذب والجنون الطعن فيها، فعلم أن التقدير‏:‏ أرسل إليكم رسوله بعزته مؤيداً له بإعجاز هذا القرآن بحكمته دليلاً على صدقه وكماله في جبلته وتأهله لبدائع نعمته ومعالي رحمته، وكان في ذلك دليل الصدق في الرسالة؛ فنسق به قوله معلياً لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفاً على ‏{‏ولقد آتينا داود منا فضلاً‏}‏ مؤكداً تكذيباً لمن يدعي الخصوص‏:‏ ‏{‏وما أرسلناك‏}‏ أي بعظمتنا ‏{‏إلا كآفة‏}‏ أي إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا، تكفهم عما لعلهم أن ينتشروا إليه من متابعة الأهوية، وتمنعهم عن أن يخرج عنها منهم أحد، فالتاء في «كافة» للمبالغة، وعبارة ابن الجوزي‏:‏ أي عامة لجميع الخلائق ‏{‏للناس‏}‏ أي كل من فيه قابلية لأن ينوس من الجن والإنس وغيرهم من جميع ما سوى الله وإن آذوك بكل أذى من النسبة إلى الافتراء أو الجنون أو غيرهما، فحال الإرسال محصور في العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق، لا في الناس، فإنه لو أريد ذلك لقدموا فقيل‏:‏ إلا للناس كافة، وقد مضى في أوائل الأنعام عن السبكي ما ينفع هنا، والمعنى أن داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال له والطير والحديد، وسليمان عليه السلام بما ذكر له، ففضيلتك أنت بالإرسال إلى كل من يمكن نوسه، فالحصا سبحت في كفك، والجبال أمرت بالسير معك ذهباً وفضة، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها، والضب شهد لك، والجمل شكا إليك وسجد لك، والأشجار أطاعتك، والأحجار سلمت عليك وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية- والله أعلم، وأما الجن فحالهم مشهور، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور، وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية دليل على فضل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن‏.‏

ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون، قال‏:‏ ‏{‏بشيراً ونذيراً‏}‏ أي لمن أهل للبشارة أو النذارة‏.‏ ولما كان هذا الإرسال مقروناً بدليله من الإتيان بالمعجز من نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك، قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه ولا شبهة تصوب إليه في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله الذي هو أوضح من الشمس دليلاً، وأقوم كل قيل قيلاً‏:‏ ‏{‏ولكن‏}‏ ولما كان الناس الأولين كل من ديه قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص، أظهر مريداً الثقلين من الجن والإنس فقال‏:‏ فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا أنك رسول الله فضلاً عن أن إرسالك عام، بل هم كالأنعام، فهم لذلك لا يتأملون فيقولون «افترى أم به جنة» ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من الحكمة والصواب مع الإعجاز في حالي الإطناب والإيجاز، والإضمار والإبراز، فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض‏.‏

ولما سلب عنهم العلم، أتبعه دليله، فقال معبراً بصيغة المضارعة الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد‏:‏ ‏{‏ويقولون‏}‏ أي ما أرسلناك إلا على هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلاً منهم بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين به في وجه الخلاص منه والتفصي عنه في كل حين استهزاء منهم‏:‏ ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعداً زيادة في الاستهزاء‏.‏ ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول، وأبعد عن الرد من قول الواحد، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم‏}‏ أي أيها النبي وأتباعه‏!‏ كوناً أنتم عريقون فيه ‏{‏صادقين *‏}‏ أي متمكنين في الصدق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏30‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ‏(‏32‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة، أمره بأن يجيبهم بما يصلح للمعاند من صادع التهديد بقوله‏:‏ ‏{‏قل لكم‏}‏ أي أيها الجامدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات، مع ضعفهم عن الدفاع، والمبالغة والامتناع ‏{‏ميعاد يوم‏}‏ أي لا تحتمل العقول وصف عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث‏.‏ ولما كان تعلق النفوس بالمهلة عظيماً، قال‏:‏ ‏{‏لا تستأخرون‏}‏ أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب ‏{‏عند ساعة‏}‏ لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏ولا تستقدمون‏}‏ أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك‏.‏

ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير منفكين عن مذاهب الكفار، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا‏}‏ حيث عبر بالموصول وصلته في موضع الضمير، قطعاً للأطماع عن دعائهم‏:‏ ‏{‏لن نؤمن‏}‏ أي نصدق أبداً، وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم بالإشارة فقالوا‏:‏ ‏{‏بهذا القرآن‏}‏ أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب ‏{‏ولا بالذي بين يديه‏}‏ أي قبله من الكتب‏:‏ التوراة والإنجيل وغيرهما‏.‏ بل نحن قانعون بما أدبنا به آباؤنا، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم، فأغضبهم ذلك فقالوه‏:‏ ‏{‏ولو‏}‏ أي والحال أنك ‏{‏ترى‏}‏ أي يوجد منك رؤية لحالهم ‏{‏إذ‏}‏ هم- هكذا كان الأصل، ولكن أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به فقال‏:‏ ‏{‏الظالمون‏}‏ أي الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم، والنقل بهذا القرآن المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه، فكأنهم سمعوه من الله المنعم الحق ‏{‏موقوفون‏}‏ أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهراً لهم وكرهاً منهم‏:‏ ‏{‏عند ربهم‏}‏ أي الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن به إليهم ‏{‏يرجع بعضهم‏}‏ أي على وجه الخصام عداوة‏.‏ وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله، قال القشيري‏:‏ ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لاعتبروا، ولو اعتبروا لتابوا وتوافقوا، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ‏{‏إلى بعض القول‏}‏ أي بالملاومة والمباكتة والمخاصمة، لرأيت أمراً فظيعاً منكراً هائلاً شنيعاً مقلقاً وجيعاً يسرك منظره، ويعجبك منهم أثره ومخبره، من ذلهم وتحاورهم وتخاذلهم حيث لا ينفعهم شيء من ذلك‏.‏

ولما كان هذا مجملاً، فسره بقوله على سبيل الاستئناف‏:‏ ‏{‏يقول الذين استضعفوا‏}‏ أي وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحالة على سبيل اللوم والتأنيب ‏{‏للذين استكبروا‏}‏ أي أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون‏:‏ ‏{‏لولا أنتم‏}‏ أي مما وجد من استتباعكم لنا على الكفر وغيره من أموركم ‏{‏لكنا مؤمنين *‏}‏ أي عريقين في الإيمان لأنه لم يكن عندنا كبر من أنفسنا يحملنا على العناد للرسل‏.‏

ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة، ذكر الجواب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال الذين استكبروا‏}‏ على طريق الاستئناف ‏{‏للذين استضعفوا‏}‏ رداً عليهم وإنكاراً لقولهم أنهم هم الذين صدوهم‏:‏ ‏{‏أنحن‏}‏ خاصة ‏{‏صددناكم‏}‏ أي منعناكم وصرفناكم ‏{‏عن الهدى‏}‏ ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إتيان الرسل، أشاروا إلى ذلك بقولهم‏:‏ ‏{‏بعد إذ جاءكم‏}‏ أي على ألسنة الرسل‏.‏

ولما كان المعنى‏:‏ إنا لم نفعل ذلك، حسن أن يقال‏:‏ إنهم هم الذين ضلوا بأنفسهم لا بإضلالهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏بل كنتم‏}‏ أي جبلة وخلقاً ‏{‏مجرمين *‏}‏ أي عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إتيان الهدى مختارين لذلك كما كنتم قبله أتباعاً لنا ما ردتم ولا ردنا، ولما تضمن قولهم أمرين‏:‏ ادعاء عراقتهم في الإجرام، وإنكار كونهم سبباً فيه، أشار إلى ردهم للثاني بالعاطف على غير معطوف عليه إعلاماً بأن التقدير‏:‏ قال الذين استضعفوا‏:‏ كذبتم فيما ادعيتم من عراقتنا في الإجرام‏:‏ ‏{‏وقال الذين استضعفوا‏}‏ عطفاً على هذا المقدر ‏{‏للذين استكبروا‏}‏ ردّاً لإنكارهم صدهم‏:‏ ‏{‏بل‏}‏ الصاد لنا ‏{‏مكرُ الليل والنهار‏}‏ أي الواقع فيهما من مكركم بنا، أو استعير إسناد المكر إليهما لطول السلامة فيهما، وذلك للاتساع في الظرف في إجرائه مجرى المفعول به ‏{‏إذ تأمروننا‏}‏ على الاستمرار ‏{‏أن نكفر بالله‏}‏ أي الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل ‏{‏ونجعل له أنداداً‏}‏ أي أمثالاً نعبدهم من دونه ‏{‏وأسروا‏}‏ أي يرجعون والحال أن الفريقين أسروا ‏{‏والندامة لما‏}‏ أي حين ‏{‏رأوا العذاب‏}‏ لأنهم بينما هم في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئاً وإذا بهم قد بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن نسبوا بكلمة، ولأجل أن العذاب عم الشريف منهم والوضيع‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا الأغلال‏}‏ أي الجوامع التي تغل اليد إلى العنق ‏{‏في أعناق الذين كفروا‏}‏ فأظهر موضع الإضمار تصريحاً بالمقصود وتنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم ذلك‏.‏

ولما كانت أعمالهم لقبحها ينبغي البراءة منها، فكانت بملازمتهم لها كأنها قد قهرتهم على ملازمتها وتقلدها طوق الحمامة فهم يعاندون الحق من غير التفات إلى دليل قال منبهاً على ذلك جواباً لمن كأنه قال‏:‏ لم خصت أعناقهم وأيديهم بهذا العذاب‏؟‏‏:‏ ‏{‏هل يجزون‏}‏ أي بهذه الأغلال ‏{‏إلا ما كانوا‏}‏ أي كوناً هم عريقون فيه ‏{‏يعملون *‏}‏ أي على سبيل التجديد والاستمرار مما يدعون أنهم بنوه على العلم، وذلك الجزاء- والله أعلم- هو ما يوجب قهرهم وإذلالهم وإخزاءهم وإنكاءهم وإيلامهم كما كانوا يفعلون مع المؤمنين ويتمنون لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 38‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏34‏)‏ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‏(‏35‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ ‏(‏37‏)‏ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

ولما كان في هذا تسلية أخروية، أتبعه التسلية الدنيوية، فقال عطفاً على ما تقديره‏:‏ وما أرسلنا غيرك إلا إرسالاً خاصاً لأمته، عطفاً على ‏{‏ما أرسلناك إلا كافة‏}‏ وساقه مؤكداً لأنه مضمونه- لكونه في غاية الغرابة- مما لا يكاد يصدق‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا‏}‏ أي بعظمتنا ولما كان المقصود التعميم، لأنه لم يتقدم قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم، أسقط القبلية بخلاف ما في سورة الزخرف فقال‏:‏ ‏{‏في قرية‏}‏ وأكد النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من نذير‏}‏ أي ينذرهم وخامة ما أمامهم من عوقب أفعالهم، ودل بإفراده عن البشارة أن غالب الأمم الماضية من أهل النذارة لنظهر مزية هذه الأمة، ولعله عبر به إشارة إلى الناسخين للشرائع التي قبلهم دون المجددين من أنبياء بني إسرائيل فإن بعضهم لم يكذب ‏{‏إلا قال مترفوها‏}‏ أي العظماء الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان‏:‏ ‏{‏إنا بما أرسلتم به‏}‏ أي أيها المنذرون ‏{‏كافرون‏}‏ أي وإذا قال المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون فإذا وقفوا عندنا تقاولوا بما تقدم ثم لم ينفعهم ذلك ‏{‏وقالوا‏}‏ مفاخرين ودالين على أنهم فائزون كما قال لك هؤلاء كأنهم تواصلوا به‏:‏ ‏{‏نحن أكثر‏}‏‏.‏

ولما كانت الأموال في الأغلب سبباً لكثرة الأولاد بالاستكثار من النساء الحرائر والإماء، قدمها فقال‏:‏ ‏{‏أموالاً وأولاداً‏}‏ أي في هذه الدنيا، ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك ‏{‏وما نحن‏}‏ أي الآن ‏{‏بمعذبين *‏}‏ أي بثابت عذابنا، وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من مرض وشدائد هي أخف من أحوالكم، وحالياً الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من الزمان كائناً ما كان، فإن الحال نموذج المآل، والأول دليل الآخر، فإن كان ثَم آخرة كما تقولون فنحن أسعد منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن، ولم تنفعهم قصة سبأ في ذلك فإنهم لو تأملوا لكفتهم، وأنارت أبصار بصائرهم، وصححت أمراض قلوبهم وشفتهم، فإنهم كانوا أحسن الناس حالاً، فصاروا أقبحهم مآلاً‏.‏

ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى بالثمرات، بدأ بالأولى لأنها أهم، فقال مؤكداً تكذيباً لمن يظن أن سعيه يفيد في الرزق شيئاً لولا السعي ما كان‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا أكرم الخلق على الله‏!‏ مؤكداً لأجل إنكارهم لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله‏:‏ ‏{‏إن ربي‏}‏ أي المحسن إليّ بالإنعام بالسعادة الباقية ‏{‏يبسط الرزق‏}‏ أي يجدده في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها ‏{‏لمن يشاء ويقدر‏}‏ أي يضيق على من يشاء منكم أن يكون جميع الموسع عليهم على ما هو حق عنده ومرضى له، لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض، فإن الله معذب بعضهم لا محالة، فبطلت شبهتهم، وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء وامتحاناً، فلا يدل البسط على الرضى ولا القبض على السخط- على ما عرف من سنته في هذه الدار ‏{‏ولكن أكثر الناس‏}‏ أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس والاضطراب ‏{‏لا يعلمون *‏}‏ أي ليس لهم علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيداً في عقباه‏.‏

ولما هدم ما بالذات، أتبعه ما بالثمرات، فقال مؤكداً تكذيباً لدعواهم‏:‏ ‏{‏وما أموالكم‏}‏ أي أيها الخلق الذين أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي تصريحاً بإبطال كل على حياله فقال‏:‏ ‏{‏ولا أولادكم‏}‏ كذلك، وأثبت الجار تاكيداً للنفي فقال واصفاً الجمع المكسر بما هو حقه من التأنيث‏:‏ ‏{‏بالتي‏}‏ أي بالأموال والأولاد التي ‏{‏تقربكم عندنا‏}‏ أي على ما لنا من العظمة بتصرفاتكم فيها بما يكسب المعالي ‏{‏زلفى‏}‏ أي درجة علية وقربة مكينة قال البغوي‏:‏ قال الأخفش‏:‏ هي اسم مصدر كأنه قال‏:‏ تقريباً، ثم استثنى من ضمير الجمع الذي هو قائم مقام أحد، فكأنه قيل‏:‏ لا تقرب أحداً ‏{‏إلا من‏}‏ أو يكون المعنى على حذف مضاف أي إلا أموال وأولاد من ‏{‏آمن‏}‏ أي منكم ‏{‏وعمل‏}‏ تصديقاً لإيمانه على ذلك الأساس ‏{‏صالحاً‏}‏ أي في ماله بإنفاقه في سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير‏.‏

ولما منّ على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سبباً لمزيد قربهم، دل على ذلك بالفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فأولئك‏}‏ أي العالو الرتبة ‏{‏لهم جزاء الضعف‏}‏ أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفاً في نفسه من عشرة أمثال إلى ما لا نهاية له، ومضاعفاً بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من الأمم، والضعف‏:‏ الزيادة ‏{‏بما عملوا‏}‏ فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان ‏{‏وهم في الغرفات‏}‏ أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان، زيادة على ذلك ‏{‏آمنون *‏}‏ أي ثابت أمنهم دائماً، لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلاً، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم‏.‏

ولما كان في سياق الترغيب في الإيمان بعد الإخبار بأنه بشير ونذير قال معبراً بالمضارع بياناً لحال من يبعده ماله وولده من الله‏:‏ ‏{‏والذين يسعون‏}‏ أي يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم ‏{‏في آياتنا‏}‏ على ما لها من عظمة الانتساب إلينا ‏{‏معاجزين‏}‏ أي طالبين تعجيزها أي تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مراداتهم بها بما يلقونه من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد‏.‏

ولما كان سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم، وأنفذ القضاء بخسارتهم، أسقط فاء السبب إعراضاً عن أعمالهم وقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي البعداء البغضاء ‏{‏في العذاب‏}‏ أي المزيل للعدوية ‏{‏محضرون *‏}‏ أي يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله وهم داخرون، قال القشيري‏:‏ إن هؤلاء هم الذين لا يحترمون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ثم في عذاب السقوط من عين الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 42‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏39‏)‏ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ‏(‏40‏)‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ‏(‏41‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة، قرب ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها‏:‏ ‏{‏إن ربي‏}‏ أي المحسن إليّ بهذا البيان المعجز ‏{‏يبسط الرزق‏}‏ أي متى شاء ‏{‏لمن يشاء من عباده‏}‏ أي على سبيل التجدد المستمر من أيّ طائفة كان ‏{‏ويقدر له‏}‏ أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين، وهو بصفة واحدة على عمل واحد، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله‏.‏

ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار‏.‏ دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله‏:‏ ‏{‏وما أنفقتم من شيء‏}‏ أي أنتم وأخصامكم وغيرهم ‏{‏فهو يخلفه‏}‏ أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق، فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل من ينفق على أي وجه كان، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع‏:‏ «إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول الآية، فإن الرزق مقسوم، وما عال من اقتصد» كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً، والمعنى أنه قد دل الإخلاف على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب للإكرام على الدوام، وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه له من سبق به عمله وقدرته حكمته، وتارة يكون إخلافه حساً وبالفعل، وتارة يكون معنى وبالقوة، بالترضية بتلك الحالة التي أدت إلى العدم، قال القشيري‏:‏ وهو أتم من السرور بالموجود، ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة، ولا يكون ذلك إلا مع التجريد- انتهى‏.‏ والمنفق بالاقتصاد داخل أن شاء الله تعالى تحت قول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان‏:‏ البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى‏:‏ «أنفق أنفق عليك» وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضاً «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما‏:‏ اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر‏:‏ اللهم أعط ممسكاً تلفاً» فهو خير الموسعين ‏{‏وهو خير الرازقين *‏}‏ أي الذين تعدونهم هذا العداد ممن يقيمهم هو سبحانه لكم فتضيفون الرزق إليهم، فإنهم وسائط لا يقدرون إلا على ما قدرهم، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم، ويرزق من يطيعه ومن يعصيه، ولا يضيق ترزيقه بأحد، ولا يشغله فيه أحد عن أحد، بل يبعث في كل يوم لكل أحد رزقه في آن واحد كما ينشر عليهم نوره بالشمس في آن واحد من غير توقيف لذلك على شيء من الأشياء غير سبق به العلم في الأزل‏.‏

ولما أبطل شبهتهم فعلم بذلك أن الأمر كله له، وأنهم في محل الخطر، وكان قد بقي من شبههم أنهم يقولون‏:‏ نحن نعبد الملائكة فهم يشفعون لنا، وكان الأنبياء عليهم السلام لا ينكرون أن الملائكة مقربون أبطل ما يتعلقون به منهم، وبين أنه لا أمر لهم وأنهم بريئون منهم، فقال عاطفاً على ‏{‏إذ الظالمون‏}‏‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم‏}‏ أي نجمعهم جمعاً بكره بعد البعث، وعم التابع والمتبرع بقوله‏:‏ ‏{‏جميعاً‏}‏‏.‏

ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال‏:‏ ‏{‏ثم نقول للملائكة‏}‏ أي توبيخاً للمشركين وإقناطاً مما يرجون منهم من الشفاعة‏.‏ ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا كان المعبود راضياً بها وكانت خالصة، قال مبكتاً للمشركين وموبخاً ليكون هناك سؤال وجواب فيكون التقريع أشد والخجل به أعظم، والخوف والهوان أتم وألزم ويكون اقتصاص ذلك عظة للسامعين، وزجراً للجاهلين، وتنبيهاً للغافلين، على طريق ‏{‏أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏ الآيات‏:‏ ‏{‏أهؤلاء‏}‏ أي الضالون؛ وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصاً فقال‏:‏ ‏{‏إياكم‏}‏ أي خاصة ‏{‏كانوا يعبدون *‏}‏ بأفعالهم الاختيارية والقسرية ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم، وفي التعبير بما يدل على الاختصاص تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من العبادة إلا بالخالص ‏{‏قالوا‏}‏ أي الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعاً بين يدي البراءة خوفاً من حلول السطوة ‏{‏سبحانك‏}‏ أي ننزهك تنزيهاً يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد‏.‏

ولما كانوا كارهين جداً لعبادتهم، وكانت فائدة العبادة الوصلة بين العابد والمعبود قالوا‏:‏ ‏{‏أنت ولينا‏}‏ أي معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره ‏{‏من دونهم‏}‏ أي من أقرب منزلة لك من منازلهم منا، فأنت أقرب شيء إلينا في كل معاني الولاية من العلم والقدرة وغيرهما، فكيف نترك الأقرب والأقوى ونتولى الأبعد العاجز، ليس بيننا وبينهم من ولاية، بل عداوة، وكذا كل من تقرب إلى شخص بمعصية الله يقسي الله قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه‏.‏

ولما كان من يعمل لأحد عملاً لم يأمر به ولم يرضه إنما عمل في الحقيقة للذي دعاه إلى ذلك العمل قالوا‏:‏ ‏{‏بل كانوا‏}‏ بأفعالهم الاختيارية الموجبة للشرك ‏{‏يعبدون الجن‏}‏ أي إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن المخوفة، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة؛ ثم استأنفوا قولهم‏:‏ ‏{‏أكثرهم‏}‏ أي الإنس ‏{‏بهم‏}‏ أي الجن ‏{‏مؤمنون *‏}‏ أي راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم، وقليل منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن وغيرهم وهو راض بها، فهي في الحقيقة لمن زينها لهم من الجن، وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات‏.‏

ولما بطلت تمسكاتهم، وتقطعت تعلقاتهم، تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عنه تنديمهم بقوله بلسان العظمة‏:‏ ‏{‏فاليوم‏}‏ أي يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر ‏{‏لا يملك‏}‏ أي شيئاً من الملك ‏{‏بعضكم لبعض‏}‏ أي من المقربين والمبعدين‏.‏ ولما كان المدار على الخلاص والسياق للشفاعة، قدم النفع فقال‏:‏ ‏{‏نفعاً‏}‏ وأكمل الأمر بقوله‏:‏ ‏{‏ولا ضراً‏}‏ تحقيقاً لقطع جميع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه‏.‏

ولما كان المعنى‏:‏ فاليوم نسلب الخلائق ما كنا مكناهم منه في الدنيا من التنافع والتضارر‏.‏ وتلاشى بذلك كل شيء سواه، أثبت لنفسه المقدس ما ينبغي، فقال عاطفاً على هذا الذي قدرته‏:‏ ‏{‏ونقول‏}‏ أي في ذلك الحال من غير إمهال ولا إهمال ‏{‏للذين ظلموا‏}‏ أي بوضع العبادة في غير موضعها ولا سيما من ضم إلى ذلك إنكار المعاد عند إدخالنا لهم النار‏:‏ ‏{‏ذوقوا عذاب النار‏}‏ ولما لم يتقدم للعذاب وصف بترديد- كما تقدم في السجدة- ولا غيره، كان المضاف إليه أحق بالوصف لأنه المصوب إليه بالتكذيب فقال‏:‏ ‏{‏التي كنتم‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏بها تذكبون *‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 45‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏43‏)‏ وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ‏(‏44‏)‏ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

ولما أخبر أنهم أبوا الإيمان بالقرآن، المخبر بالغيب من أمر الرحمن الذي هدت إليه العقول، وشاهدت آثاره العيون، في هذا الكلام المعجز، فتظافرت على ما أخبرت به أدلة السمع والبصر والعقل، وختم بأنهم آمنوا بالجن غيباً وعبدوهم من دون الله بما لم يدع إليه عقل ولا نفل، وصدقوهم من الإخبار بما إن صدقوا في شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة، وسلب أعظم من ادعوا أنهم استندوا إليه النفع والضر، وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم، أتبعه الإخبار بأنهم لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم فقال‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى‏}‏ أي في وقت من الأوقات من أيّ تال كان ‏{‏عليهم‏}‏ أي خاصة لم يشركهم غيرهم ليقولوا‏:‏ إنه المقصود بالتلاوة، فلا يلزمهم الاستماع ‏{‏آياتنا‏}‏ حال كونها ‏{‏بينات‏}‏ ما قالت شيئاً إلا ظهرت حقيته ‏{‏قالوا‏}‏ أي على الفور من غير تأمل لما حملهم على ذلك من حظ النفس‏.‏

ولما كان المستكبرون يرون ما للرسالة من الظهور، وللرسول من القبول، وأن أتباعهم قد ظهر لهم ذلك، فمالوا إليه بكلياتهم، أكده قولهم‏:‏ ‏{‏ما هذا‏}‏ أي التالي لها على ما فيه من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة وأبينهم نصيحة ‏{‏إلا رجل‏}‏ أي مع كونه واحداً هو مثل واحد من رجالكم، وتزيدون عليه أنتم بالكثرة، ولم يسندوا الفعل إليهم نفياً للغرض عن أنفسهم وإلهاباً للمخاطبين فقالوا‏:‏ ‏{‏يريد أن يصدكم‏}‏ أي بهذا الذي يتلوه ‏{‏عما كان‏}‏ دائماً ‏{‏يعبد آباؤكم‏}‏ أي لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعاً، وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم بذكر «كان» والفعل المضارع ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا دليل عليه ولا شبهة ولا داع سوى التقليد‏.‏

ولما كانت أدلة الكتاب واضحة، خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها، فجزموا بأنها كذب ليوقفوهم بذلك، فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وقالوا ما هذا‏}‏ أي القرآن ‏{‏إلا إفك‏}‏ أي كذب مصروف عن وجهه ‏{‏مفترى‏}‏ أي متعمد ما فيه من الصرف‏.‏

ولما كان فيه ما لا يشك أحد في حقيته، لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ينكشف إيقافاً لهم إلى وقت ما، فقال تعالى إخباراً عنهم‏:‏ ‏{‏وقال‏}‏ ولما كان الحق قد يخفى، ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات، أظهر موضع الإضمار بياناً للوصف الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس، فقال‏:‏ ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي ستروا ما دلت عليه العقول من حقية القرآن، ‏{‏للحق‏}‏ أي الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقية فيه ‏{‏لما جاءهم‏}‏ أي من غير أن يمهلوا النظر ولا تدبر ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوه شبهة عرضت لهم، بل أظهروا بالمسارعة إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه، وأكدوا لما تقدم من خوفهم على أتباعهم ليخيلوهم فقالوا‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏هذا‏}‏ أي الثابت الذي لا يكون شيء أثبت منه ‏{‏إلا سحر‏}‏ أي خيال لا حقيقة له ‏{‏مبين *‏}‏ أي ظاهر العوار جداً، فهو ينادي على نفسه بذلك، فلا تغتروا بما فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب، ولقد انصدّ لعمري بهذا التلبيس- مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف بالعجز- بشر كثير برهة حتى هدى الله بعضهم، وتمادى بالآخرين الأمر حتى ماتوا على ضلالهم، مع أنه كان ينبغي لكل من رأى مبادرتهم وتحرقهم أن يعرف أنهم متغرضون، لم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية، والعلق الشهوانية، قال الطفيل ابن عمرو الدوسي ذو النور رضي الله عنه‏:‏ لقد اكثروا عليّ في أمره حتى حشوت في أذنيّ الكرسف خوفاً من أن يخلص إلى شيء من كلامه فيفتنني، ثم أراد الله بي الخير فقلت‏:‏ واثكل أمي إني والله لبيب عاقل شاعر، ولي معرفة بتمييز غث الكلام من سمينه، فما لي لا أسمع منه، فإن كان حقاً تبعته، وإن كان باطلاً كنت منه على بصيرة- أو كما قال، قال‏:‏ فقصدت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ اعرض عليّ ما جئت به، فلما عرضه عليّ بأبي هو وأمي ما سمعت قولاً قط أحسن منه ولا أمراً أعدل منه فما توقفت في أن أسلمت، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له أن يعطيه آية تعينه على قومه، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته، فخشي أن يظنوا أنها مثلة، فدعا بتحويله، فتحول في طرف سوطه، فأعانه الله على قومه فأسلموا‏.‏

ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع، بين ذلك معجباً من شأنهم، موضحاً لعنادهم، بقوله مؤكداً إشارة إلى أن ما يجترئون عليه من الأقوال التي لا سند لها إلا التقليد لا يكون إلا عن كتاب أو رسول‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي قالوا ذلك والحال أنا ما ‏{‏آتيناهم‏}‏ أي هؤلاء العرب أصلاً لأنه لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وعبر بمظهر العظمة إشارة إلى أن هذا مقام خطر وموطن وعر جداً لأنه أصل الدين، فلا يقنع فيه إلا بأمر عظيم، وأكد هذا المعنى بقوله‏:‏ ‏{‏من كتب‏}‏ بصيغة الجمع مع تأكيد النفي بالجار قبل كتابك الجامع ‏{‏يدرسونها‏}‏ أي يجددون دراستها في كل حين، فهي متظاهرة الدلالة باجتماعها على معنى واحد متواترة عندهم لا شبهة في أمرها ليكون ذلك سبباً للطعن في القرآن إذا خالف تلك الكتب ‏{‏وما أرسلنا‏}‏ أي إرسالاً لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة ‏{‏إليهم‏}‏ أي خاصة، بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم باعيانهم، فهم مقصودون بالذات، لا أنهم داخلون في عموم، أو مصقودون من باب الأمر بالمعروف في جميع الزمان الذي ‏{‏قبلك‏}‏ أي من قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ليخرج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فإنهما كانا في بعض الزمان الماضي، أو أن المراد في الفترة بعد عيسى عليه السلام كما تقدم في السجدة نقله عن ابن عباس ومقاتل، ويجوز أن يراد بعد إسماعيل عليه السلام لأن عيسى عليه السلام- وإن أرسل إلى العرب رسله- لم يكن مرسلاً إلا إلى قومه، وإرساله إلى غيرهم إنما هو من باب الأمر بالمعروف، وشعيب عليه السلام إنما كانت رسالته إلى طائفة أو أثنتين منهم وقد يقال‏:‏ الذي يدل عليه استغراق جميع الزمان الماضي بالتجريد عن الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا الباطل الذي إدعوه لا مطلق الإرسال، وأكد النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من نذير *‏}‏ أي ليكون عندهم قول منه يغبر في وجه القرآن، فيكون حاملاً لهم على الطعن‏.‏

ولما نفى موجب الطعن، ذكر المانع الموجب للإذعان فقال‏:‏ ‏{‏وكذب‏}‏ أي فعلوا ما فعلوا، الحال أنه قد كذب ‏{‏الذين من قبلهم‏}‏ أي من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر ‏{‏وما بلغوا‏}‏ أي هؤلاء ‏{‏معشار ما آتيناهم‏}‏ أي عشراً صغيراً مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل ‏{‏فكذبوا‏}‏ أي بسبب ما طبعوا عليه من العناد، وأفرد الضمير كما هو حقه ونصاً على أن النون فيما مضى للعظمة لا للجمع دفعاً لتعنت متعنت فقال‏:‏ ‏{‏رسلي‏}‏‏.‏

ولما كان اجتراؤهم على الرسل سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة، صارت مثلاً مضروباً باقياً إلى يوم القيامة ولم يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من النعم، كان موضع أن يقال لرائيه أو لسامعه‏:‏ ‏{‏فكيف كان نكير *‏}‏ أي فيما كان له من الشدة التي هي كالجبلة أي إنكاري على المكذبين لرسلي، ليكون السؤال تنبيهاً لهذا المسؤول وداعياً له إلى الإذعان خوفاً من أن يحل به ما حل بهم أن فعل مثل ما فعلهم سواء كان الإنكار في أدنى الوجوه كما أوقعناه سبباً من تعطيل الأسباب، أو أعلاها كما أنزلنا بقوم نوح عليه السلام ومن شاكلهم وصب العذاب والاستئصال الوحيّ بالمصاب على ما أشارت إليه قراءتا حذف الياء وإثباتها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 49‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ‏(‏46‏)‏ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏47‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏48‏)‏ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ‏(‏49‏)‏‏}‏

ولما أبطل شبههم كلها، وليّن من عريكتهم بالتنبيه على التحذير، فصاروا جديرين بقبول الوعظ، وكان مما رموه به- وحاشاه- الجنون وتعمد الكذب، أمره بالإقبال عليهم به مخففاً له لئلا ينفروا من طوله فقال‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ وأكده زيادة في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال‏:‏ ‏{‏إنما أعظكم بواحدة‏}‏ أي فاسمعوا ولا تنفروا خوفاً من أن أملّكم؛ ثم استأنف قوله بياناً لها‏:‏ ‏{‏أن تقوموا‏}‏ أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق، وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد ‏{‏لله‏}‏ أي الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم ‏{‏مثنى‏}‏ أي اثنين اثنين، وقدمه إشارة ألى أن أغلب الناس ناقص العقل ‏{‏وفرادى‏}‏ أي واحداً واحداً، من وثق بنفسه في رصانه عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره، وأعون على خلوص فكره، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن نسي‏.‏ ويقومه إن زاغ‏.‏ ولما كان هذا القسم أكثر وجوداً في الناس قدمه ولم يذكر غيرهما من الأقسام، إشارة إلى أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين كان أجدر لهم بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير من الجدال واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف الفكر وتنقية المعاني‏.‏

ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيماً جديراً بأن يهتم له هذا الاهتمام، أشار إليه بأداة التراخي فقال‏:‏ ‏{‏ثم تتفكروا‏}‏ أي تجتهدوا بعد التأني وطول التروي في الفكر فيما وسمتم به صاحبكم من أمر الجنون‏.‏ ولما كان بعده صلى الله عليه وسلم من هذا آمراً لا يتمارى فيه، استأنف قوله معيناً بالتعبير بالصاحب مؤكداً تكذيباً لهم وتنبيهاً على ظهور مضمون هذا النفي‏:‏ ‏{‏ما بصاحبكم‏}‏ أي الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيراً ويافعاً وشاباً وكهلاً، وأعرق في النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من جنة‏}‏ وخصها لأنها مما يمكن طروءه، ولم يعرّج على الكذب لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس عمراً طويلاً ودهراً دهيراً يصحبهم ليلاً ونهاراً صباحاً ومساءً سراً وعلناً في السراء والضراء، وهو أعلاهم همة وأوفاهم مروءة، وأزكاهم خلائق وأظهرهم شمائل، وأبعدهم عن الأدناس ساحة في مطلق الكذب، فكيف بما يخالف أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف وكلامه الذي ينسب فيه إلى الكذب معجز بما فيه من الحكم والأحكام، والبلاغة والمعاني التي أعيت الأفهام‏.‏

ولما ثبت بهذا إعلاماً وإفهاماً براءته مما قذفوه به كله، حصر أمره في النصيحة من الهلاك، فقال منبهاً على أن هذا الذي أتاهم به لا يدعيه إلا أحد رجلين‏:‏ إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال، وقد انتفى الأول فثبت الثاني‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏هو‏}‏ أي المحدث عنه بعينه ‏{‏إلا نذير لكم‏}‏ أي خاصاً إنذاره وقصده الخلاص بكم، وهول أمر العذاب بتصويره صورة من له آلة بطش محيطة بمن تقصده فقال‏:‏ ‏{‏بين يدي‏}‏ أي قبل حلول ‏{‏عذاب شديد *‏}‏ قاهر لا خلاص منه، إن لم ترجعوا إليه حل بكم سريعاً، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏

«صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال‏:‏ يا صباحاه‏!‏ فاجتمعت إليه قريش فقالوا‏:‏ ما لك، فقال‏:‏ أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، فقال‏:‏ إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب‏:‏ تباً لك، ألهذا جمعتنا‏؟‏ فأنزل الله عز وجل ‏{‏تبت يدا أبي لهب وتب‏}‏»‏.‏

ولما انتفى عنه بهذا ما خيلوا به، بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بأمره بقوله‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي للكفرة‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ أي مهما ‏{‏سألتكم من أجر‏}‏ أي على دعائي لكم ‏{‏فهو لكم‏}‏ لا أريد منه شيئاً، وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله أجراً أصلاً بوجه من الوجوه، فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلاً، ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله الذي له الأمر كله‏.‏ ولما كانوا يظنون به في بعض ظنونهم أنه يريد أمراً دنيوياً، أكد قوله‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏أجري إلا على الله‏}‏ أي الذي لا أعظم منه، فلا ينبغي لذي همة أن يبتغي شيئاً إلا من عنده ‏{‏وهو‏}‏ أي والحال أنه ‏{‏على كل شيء شهيد *‏}‏ أي بالغ العلم بأحواله، فهو جدير بأن يهلك الظالم ويعلي كعب المطيع‏.‏

ولما لم يبق شيء يخدش في أمر المبلغ، أتبعه تصحيح النقل جواباً لمن كأنه يقول‏:‏ برئت ساحتك، فمن لنا بصحة مضامين ما تخبر‏؟‏ فقال مؤكداً لإنكارهم أن يكون ما يأتي به حق معيداً الأمر بالقول، إشارة إلى أن كل كلام صدر دليل كاف مستقل بالدلالة على ما سبق له‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر معبراً بما يقتضي العناية الموجبة لنصره على كل معاند، ‏{‏إن ربي‏}‏ أي المحسن إلي بأنواع الإحسان، المبيض لوجهي عند الامتحان ‏{‏يقذف بالحق‏}‏ أي يرمي به في إثبات جميع ذلك وغيره مما يريد رمياً وحياً جداً لأنه غني عن تدبر أو تروِّ أو تفكر في تصحيح المعنى أو إصلاح اللوازم لأنه علام الغيوب، فيفضح من يريد إطفاء نوره فضيحة شديدة، ويرهق باطله كما فعل فيما وسمتموني به وفي التوحيد وغيره لا كما فعلتم أنتم في مبادرتكم إلى نصر الشرك وإلى ما وصفتموني به ووصفتم ما جئت به، فلزمكم على ذلك أمور شنيعة منها الكذب الصريح، ولم تقدروا أن تأتوا في أمري ولا في شيء من ذلك بشيء يقبله ذو عقل أصلاً‏.‏

ولما وصفه بنهاية العلم، أتبعه بعض آثاره فقال‏:‏ ‏{‏قل جاء الحق‏}‏ أي الأمر الثابت الذي لا يقدر شيء أن يزيله؛ وأكد تكذيباً لهم في ظنهم أنهم يغلبون فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي والحال أنه ما ‏{‏يبدئ الباطل‏}‏ أي الذي أنتم عليه وغيره في كل حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام ‏{‏وما يعيد *‏}‏ بل هو كالجماد لا حركة به أصلاً، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا البيان افتضح، فإن لم ترجعوا عنه طوعاً رجعتم وأنتم صغره كرهاً، والحاصل أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته، وذهبت قوته، حتى لا يرجى بوجه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 53‏]‏

‏{‏قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ‏(‏50‏)‏ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏51‏)‏ وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏52‏)‏ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏53‏)‏‏}‏

ولما لم يبق بعد هذ إلا أن يقولوا عناداً‏:‏ أنت ضال، ليس بك جنون ولا كذب، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة، قال‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب‏:‏ ‏{‏إن ضللت‏}‏ أي عن الطريق على سبيل الفرض ‏{‏فإنما أضل‏}‏ ولما كان الله تعالى قد جعل العقل عقلاً يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى، وكان الغلط لا يأتي إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها، فكان التقدير‏:‏ بما في نفسي من الشواغل العاقلة للعقل، قال مشيراً إلى ذلك‏:‏ ‏{‏على نفسي‏}‏ أي لأن الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواره فيلزم عاره، ويصير صاحبه بحيث لا يدري شيئاً ينفع ولا يعيد، ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما وقع في مذاهبكم كلها، لأن الله تعالى جعل العقول الصحيحة معياراً على ذلك، فمهما ذكرت طرق الحق وحُررت ظهر أمر الباطل وافتضح‏.‏ ولما كانت النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل، عبر في الضلال بالمجرد، وفي الهدى بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج، وعبر بأداة الشك استعمالاً للأنصاف فقال‏:‏ ‏{‏وإن اهتديت فبما‏}‏ أي فاهتدائي إنما هو بما ‏{‏يُوحي إليَّ ربي‏}‏ أي المحسن إليّ لا بغيره، فلا يمكن فيه ضلال لأنه لا حظ فيه للنفس أصلاً، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه، وهداي لنفسي، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه، وهي من الاحتباك‏:‏ حذف أولاً كون الضلال من نفسه بما دل عليه ثانياً من أن الهدى من الوحي وثانياً كون الهدى له بما دل عليه من كون الضلال عليه ثم علل الضلال والهدى بقوله‏:‏ ‏{‏إنَّه‏}‏ أي ربي ‏{‏سميع قريب *‏}‏ أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد، والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلاً لا يضل ولا يزيغ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتباً هي العقل الخالص، وأرسل رسلاً جردهم من تلك القواطع، فجعل أخلاقهم شرائعهم، فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهماً عقله منابذاً رأيه كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ليكون مؤمناً بالغيب حق الإيمان فيدخل في قوله تعالى في سورة فاطر ‏{‏إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب‏}‏

‏[‏فاطر‏:‏ 18‏]‏ ولا يكون متناوشاً بعد كشف الغطاء من مكان بعيد‏.‏

ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه، قال عاطفاً على ‏{‏ولو ترى إذ الظالمون‏}‏‏:‏ ‏{‏ولو ترى‏}‏ أي تكون منك رؤية ‏{‏إذ فزعوا‏}‏ أي يفزعون بأخذنا في الدنيا والآخرة، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه ‏{‏فلا‏}‏ أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا ‏{‏فوت‏}‏ أي لهم منا لأنهم في قبضتنا، لرأيت أمراً مهولاً وشأناً فظيعاً، وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال‏:‏ ‏{‏وأخذوا‏}‏ أي عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده‏.‏ ولما كان القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال‏:‏ ‏{‏من مكان قريب *‏}‏ أي أخذاً لا شيء أسهل منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء، مسافة، بل هو أقرب إليه منا الإيمان به وأبيناه، والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى ‏{‏وأنّى‏}‏ أي وكيف ومن أين ‏{‏لهم التناوش‏}‏ أي تناول الإيمان أو شيء من ثمراته، وكأنه عبر به لأنه يطلق على الرجوع، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل، وأنى لهم ذلك‏؟‏ وهو تمثيل لحالهم- في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا- بحال من يريد أن يتناول شيئاً من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولاً سهلاً، لا نصب فيه، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم لهمزهم إياه فقيل‏:‏ إن الهمز على الواو المضمونة كما همزت في وجوه ووقتت فيكون لفظه موافقاً لمعناه، والصحيح أنه ليس من هذا، لأن شرط همز الواو المضمونة ضمةً لازمةً أن لا ويكون مدغماً فيها إذا كانت وسطاً كالتعود، وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون، وقد حكى عن أبي عمرو أن معناه بالهمز التناول من بعد، من قولهم نأش- بالهمز- إذا أبطل وتأخر، والنيش حركة في إبطاء، والنأش أيضاً‏:‏ الأخذ، فيكون الهمز أصلياً، وقرأه الباقون بالواو مثل التناول لفظاً ومعنى، فقراءة الواو المحضة تشير إلى أنهم يريدون تناولاً سهلاً مع بعد المتناول في المكان، وقراءة الهمز إلى أن إرادتهم تأخرت وأبطأت حتى فات وقتها، فجمعت إلى بعد المكان بعد الزمان‏.‏

ولما كان البعيد لا يمكن الإنسان تناوله مع بعده قال‏:‏ ‏{‏من مكان بعيد *‏}‏ فإنه بعد كشف الغطاء عند مجيء البأس لا ينفع الإيمان ‏{‏وقد‏}‏ أي كيف لهم ذلك والحال أنهم قد ‏{‏كفروا به‏}‏ أي بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به أملاً وجزاءً ‏{‏من قبل‏}‏ أي في دار العمل ‏{‏و‏}‏ الحال أنهم حين كفرهم ‏{‏يقذفون‏}‏ في أمر ما دعوا إليه بما يرمون به من الكلام رمياً سريعاً جداً من غير تمهل ولا تدبر ‏{‏بالغيب‏}‏ أي من مرجمات الظنون، وهي الشبهة التي تقدم إبطالها في هذه السورة وغيرها من استبعادهم البعث وغيره مما أخبر الله به‏.‏

ولما كان الشيء لا يمكن أن يصيب ما يقذفه وهو غائب عنه ولا سيما مع البعد قال معلماً ببعدهم عن علم ما يقولون مع بعده جداً من حال من تكلموا فيه سواء كان القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الحشر والجنة والنار‏:‏ ‏{‏من مكان بعيد *‏}‏ وذلك على الضد من قذف علام الغيوب فإنه من مكان قريب فهو معلوم لازم للحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ‏(‏54‏)‏‏}‏

ولما أشار إلى بعد الإيمان منهم عند إرادتهم تناوله عند فوات أمره وعلوه عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل، ترجم حالتيهم في ذلك على وجه يعم ثمرات الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله‏:‏ ‏{‏وحيل‏}‏ معبراً بصيغة المجهول مشيراً إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي لهم نفس الحيلولة لا كونها من شخص معين‏:‏ ‏{‏بينهم وبين ما يشتهون‏}‏ أي يميلون إليه ميلاً عظيماً من تأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية، البأس ومن حصول شيء من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم- وهو في غمرات النار- مقعده في الجنة، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على الوصول إليه بوجه، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى ‏{‏كما فعل‏}‏ أي بأيسر وجه ‏{‏بأشياعهم‏}‏ أي الذين كفروا مثلهم ‏{‏من قبل‏}‏ أي قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم في الكفران والإيمان، والسعادة والخسران، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها، فإن أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا، فلم نقبل منهم ذلك، ولا نفعهم شيئاً لا بالكف عن إهلاكهم ولا بإدراكهم لشيء من الخير بعد إهلاكهم ‏{‏إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 37‏]‏‏.‏ ثم علل عدم الوصول إلى قصد في كل من الحالتين بقوله مؤكداً لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم‏:‏ ‏{‏إنهم كانوا‏}‏ أي في دار القبول كوناً هو كالجبلة لهم ‏{‏في شك‏}‏ أي في جميع ما يخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء أو غير ذلك ‏{‏مريب *‏}‏ أي موقع في الريبة، فهو بليغ في بابه كما يقال‏:‏ عجب عجيب، أو هو واقع في الريب كما يقال‏:‏ شعر شاعر، أي- ذو شعر، فكيف يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهو على غير بصيرة في شيء من أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا، فاللائق بالحكمة أن نبين لهم العظمة بالعذاب لهم والثواب لأحبابنا الذين عادوهم فينا فتبين أنهم يؤمنون به عند ظهور الحمد أتم الظهور إما في الآخرة أو في مقدماتها، فظهر سر الإفصاح بقوله «وله الحمد في الآخرة» وأنه حال سبحانه بينهم وبين ما يريدون فتبين أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في الأولى وفي كل حالة- وقد تعانق آخرها مع أولها، والتحم مقطعها بموصلها- والله سبحانه وتعالى هو المستعان إليه والمرجع والمآب‏.‏